وهبة الزحيلي
36
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وَقُلْ : رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ أي وقل عند النزول من السفينة : ربّ أنزلني إنزالا مباركا أو مكانا مباركا ، يبارك لي فيه ، وأعطى الزيادة في خير الدارين ، وأنت خير من أنزل عباده المنازل الطيبة ؛ لأنك تحفظ من أنزلته في سائر أحواله ، وتدفع عنه المكاره ، بحسب ما تقتضيه الحكمة . وهذا وما قبله تعليم لذكر اللّه عند ابتداء السير وانتهائه ، قال قتادة : علّمكم اللّه أن تقولوا عند ركوب السفينة : بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها [ هود 11 / 41 ] ، وعند ركوب الدابة : سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا ، وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ [ الزخرف 43 / 13 ] أي مطيقين ، وعند النزول : وَقُلْ : رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ . إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ ، وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ أي إن في هذا الصنيع وهو إنجاء المؤمنين ، وإهلاك الكافرين لدلالات واضحات على صدق الأنبياء فيما جاؤوا به عن اللّه تعالى ، وإنا لمختبرون بهذه الآيات عبادنا ، لننظر من يعتبر ويتذكر ، كقوله تعالى : وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً ، فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [ القمر 54 / 15 ] . وقيل : أي نعاملهم معاملة المختبرين . وتقدمت القصة بتفصيل أكثر في سورة هود عليه السلام . فقه الحياة أو الأحكام : هذه القصة واضحة الدلالة كغيرها من القصص القرآني على أن نزول العذاب : عذاب الاستئصال والهلاك كان بسبب العناد والإصرار على الكفر ، وملازمة الشرك والوثنية . فهذا نوح عليه السلام مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين يدعوهم لعبادة اللّه وحده لا شريك له ، وينذرهم بأس اللّه وانتقامه ممن أشرك به ، وكذب رسله ،